Boujmi3


 الفنان بوجميع   اسمه الكامل حكور بوجمعة ،ولد بكريان الخليفة بالحي المحمدي بالدار البيضاء كبرى المدن المغربية سنة 1944 من أسرة كادحة انحدرت من الجنوب المغربي، تابع دراسته الابتدائية والإعدادية حتى حدود السنة الرابعة إعدادي حيث غادرها مكرها لظروف عائلية سنة 1964، بعد ذلك احترف مهنا متعددة لمساعدة والده على تحمل مشاق الحياة فاشتغل بمعامل النسيج ،التصبير والحديد..وكان شديد الولع بالأهازيج الشعبية منذ طفولته كما كان متأثرا جدا بجلسات الزاوية وحلقات الذكر الصوفية التي كان يحضرها إلى جانب والده حكور ابراهيم  فكان بحق-ومنذ طفولته- موسوعة في مجال الثقافة الشعبية مواويلا وألحانا وحكايات...وهذا ما أثر في ملكاته الإبداعية حيث أن جل أعماله الفنية كانت مبصومة بالموروث الشعبي الذي عرف كيف يعيد صياغته بأسلوب شيق وبنبرة فنية ذات دلالات عميقة جعلته قادرا على استيعاب المرحلة التي كان يعيشها .  

بدأ حياته الفنية سنة 1966 حيث أسس مع مجموعة من رفاقه جمعية *رواد الخشبة *وهي فرقة مسرحية ومن أشهر مسرحياتها التي ألفها بوجميع : المسمار ،فلسطين،الغرب ،الحاج لن يشب ، كنزة ... بعد ذلك التحق بفرقة المسرح البلدي والتي كان يؤطرها الفنان الطيب الصديقي حيث ساهم في أشهر مسرحياتها كمولاي اسماعيل –عبد الرحمان المجذوب –سيدي ياسين في الطريق –الجزار ... 
هذه المسرحية الأخيرة التي كانت تتخللها مقاطع غنائية شعبية شكلت اللبنة الأولى لمجموعة ناس الغيوان فيما بعد كالصينية،الله يامولانا ،..ومن داخل الفرقة تعرف على العربي باطما وعمر السيد،علال يعلى.. في سنة 1967 سافر مع الطيب الصديقي إلى فرنسا لتقديم بعض العروض المسرحية فمكث هناك رغم عودة الصديقي حيث كان يفكر جديا رفقة العربي باطما في إنشاء مجموعة غنائية جديدة . بعد عودته اتصل بمولاي عبد العزيز الطاهري الذي كان له دور كبير وحاسم في إخراج التجربة لحيز الوجود سنة 1971. 
وقد عرفت مجموعة ناس الغيوان تغييرات عدة في أعضائها خاصة في البداية حيث كانت تتكون من بوجميع والعربي باطما وعمر السيد والتحق بعد ذلك علال يعلى ومحمود السعدي الذي انسحب بعد ذلك ثم مولاي عبد العزيز الطاهري الذي انسحب بدوره لينضم لمجموعة *جيل جيلالة*قبل أن يشكل فرقة خاصة به أطلق عليها *فرقة الطاهري للفنون الشعبية * وقد عوضه عبد الرحمان باكا الذي سينسحب بدوره في مطلع التسعينات . ولقد كان أول لقاء للمجموعة بالجمهور سنة 1971 بسينما السعادة بالحي المحمدي بالبيضاء حيث شكلت آنذاك      " ثورة حقيقية واختراقا وتمردا واضحا على النظام الكلاسيكي المعتمد على المطرب الواحد مع مايستتبع هذا النمط من مميزات فنية وتقنية وإنسانية "1. 
وقد كانت أول أغنية أدتها المجموعة هي *قطتي صغيرة * والتي كانت صدمة تحمل دلالات عديدة ، كما كانت إرسالية خاصة ذات حمولات متنوعة استهدفت رسم خط فاصل بين ما قبل فرقة ناس الغيوان وما بعدهم.فكانت صدمة انتقالية ،والدليل على ذلك أن تلك الأغنية لم تسجل مع ما سجل من أغاني المجموعة، وبعد ذلك توالت الأغاني والتي كان جلها من تأليف بوجميع وساعده في ذلك ظروفه الموضوعية والذاتية حيث استطاع إعادة إنتاج الثقافة الشعبية للمجتمع المغربي والتي استوعبها جيدا أثناء طفولته وأعاد صياغتها في قالب جديد يعتمد على المضمون الجيد واللحن الأصيل واللغة البسيطة والآلات الغنائية الشعبية كالبندير والطبل والسنتير .....وغيرها .كما حملت هذه الأغاني طابعا نقديا للأوضاع السائدة أملا في مستقبل واعد قادم.ومن أهم هذه الأغاني التي ألفها بوجميع :مزين مديحك / ياصاح /الهمامي/أرواح أوا/ الصينية / غير خوذوني/فين غادي بيا يا خويا /الماضي فات/جودي برضاك /واش احنا هما احنا /....
.. لكن قد يطرح سؤال جوهري: لماذا ظهرت هذه المجموعة في هذه الفترة بالضبط أي بداية السبعينات ؟ 1+فهل كانت تعبيرا عن نضج / تصور سياسي في قالب فتي يحاول استيعاب تلك المرحلة بكل دلالاتها المختلفة ومحاولة التعبير عنها.خاصة أن أوائل السبعينات عرفت كثافة الإضرابات العمالية ومظاهرات التلاميذ والطلبة ،وما تلاها من اعتقالات متعددة ، فترة تميزت وبأغاني المجموعة ب  
من حرك عينو مدوه للجزار
ضربة هنا وضربة لهيه جثم وداعو
ولا كلمة فوق كلمة الغدر فار  
وكذلك القمع الشامل لبعض الإطارات وحظر بعضها الآخر خاصة أن جل الفئات الاجتماعية الكادحة (اللي عايشة عيشة الذبانة فالبطانة ) التفت واحتضنت هذه المجموعة ووجدت في كلماتها متنفسا لهمومها وأحزانها .لا سيما أن القصائد الجريئة لم من السهل أداؤها في تلك المرحلة،بل كانت تدخل في إطار المحظور واللامسموح بنشره وإذاعته وترويجه من طرف (عبيد الضنك المعبود ياقلوب الحجر – قلوب طايشة بالغدر) ويكفي أن نقرا المجموعة قصائد تلك الفترة لندرك جليا فمثلا نقرأ في إحداها ( كلنا معذب مهجور –كلنا مندوب محكور ) وفي أغنية أخرى :
يكفاك ذ ال بكاياعين
يكفاك هذا الحال  
الظرف غشمني ولاحن
ي 
ما بقالي آمال ،لله ياللي تسألني لا تطالب بالمحال  قصتي واضحة ف جبيني مابقات رغبة تلهينيع الفراق عوال ع الفراق عوال 2+وهل كانت الصرخات الغنائية للمجموعة واجهة من واجهات الصراع الاجتماعي وتعبيرا عن مظاهر القلق والظلم والبؤس والقهر والتشرد التي كان يعيشها الشعب المغربي آنذاك؟ 3+وهل كان لإنتفاضة ماي 1968 والتي عايشها بوجميع بباريس دورها في إخراج المجموعة كما هو شأن المجموعة من الإطارات والتنظيمات السياسية الأخرى ؟ 4+وهل كانت أغاني الغيوان في تلك الفترة استجابة لرغبة وأفق انتظار القطاعات الجماهيرية التي ملت من أكوام الكلام الملحن حول الحب والهجر والهيام والمتناولة غالبا برؤية تبسيطية وساذجة فعمدت بذكاء إلى التقاط مختلف الهموم والقضايا الإنسانية والاجتماعية وطرحها برؤية إنسانية متقدمة وصلت أحيانا حد الاحتجاج والصراخ .*2* 5+أم كانت المجموعة جزءا من مرحلة جديدة خاصة من الناحية الإبداعية ،فقد ظهرت أقلام وأصوات عديدة في المجال الأدبي لا سيما في الشعر والقصة القصيرة .كما صدرت صحف جديدة بمقالاتها المتميزة والجريئة كما بدأ الجو الثقافي ينتعش بالمحاضرات والعروض والنقاشات الساخنة، كما كانت بعض المدارس االإبداعية في أوجها خاصة تجربة مدرسة البيضاء التشكيلية وكذلك انتعاش الحركة المسرحية بشقيها الهاوي والمحترف ؟وإزاء كل هذه التساؤلات التي تبقى مفتوحة وقد يجيب عنها كل واحد من موقعه الخاص يبقى السؤال الملحاح الآخر هو : ماهو دور المبدع بوجميع في خضم كل هذا ؟ هل كان بوجميع رائدا للمجموعة وزعيما لها بكل ما تحمله كلمة *زعيم* من دلالات ومعاني خاصة تحديد الخط الإيديولوجي والفني للمجموعة ؟ يحاول الباحث عمر القرشي الجواب على هذه التساؤلات بقوله :*إن من الممكن الجزم أن فرقة ناس الغيوان الحقيقية كانت هي بوجميع – الفرد وأنها ولدت معه وماتت بموته وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال تتبع المسار الذي اتخذنه ناس الغيوان لنفسها بعد اختفاء بوجميع الذي يميزه طغيان النزعة الصوفية /الفردانية على صعيد المضمون في أحط أشكالها وأكثرها غيبية وما ورائية كما يميزه على صعيد الشكل توقف واضح عن التجديد والبحث عن أشكال جديدة مع الإكتفاء بما صاغه القدماء على صعيد الملحون بالأساس وإدخال تعديلات طفيفة عليه ، لكن لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن دور الفرد في الإبداع هو الحاسم لأن الفرد كما هو معلوم ليس في النهاية سوى تعبير عن زمانه ومكانه المحددين *3 هذه الأدوار المهمة لبوجميع يؤكدها كذلك رفاقه في المجموعة من خلال شهادتهم عنه. فعمر السيد يقول :كان هو السبب في إلحاقي بمجموعة ناس الغيوان ،.كان أثناء وجوده في الخشبة إنسانا آخر يقول أشياء جديدة ،تحس أنه يعبر عن صراعات داخلية : بين حيرة وعناد  فين كلبي الوكاد  وهذا ماكان يدل على عبقرية الرجل وعمق شعبيته فبوجميع كان إنسانا ثانيا فوق الخشبة .. أما مولاي عبد العزيز الطاهري فيقول عنه : بوجميع الإنسان الآخر فوق الخشبة كان معروفا بجانبه الإبداعي والمقاطع التي كان يتولى إلقاءها أثناء السهرة . كان هناك اتفاق أولي حول المضمون أما الجانب الثاني في نوعية الأداء وطريقته فكانت شخصية المرحوم بوجميع، أحبه الجمهور كثيرا وأنا كواحد من الفرقة آنذاك كنت أشعر بقوة خارقة معي فوق الخشبة .4 أما صديقه الحميم والذي تولى أدواره بعد وفاته فهو المرحوم باطما الذي يقول عنه :كان فنانا وكان صوته رنانا ولو طال الزمن وعاش بوجميع لكان من الفنانين المرموقين.4 في يوم الخميس 24 أكتوبر 1974 أحيت المجموعة ناس الغيوان آخر سهرة لها صحبة بوجميع بمدينة القصر الكبير ،وفي يوم السبت الموالي رحل الفنان الرائد ،وفي اليوم الموالي تم دفنه بمقبرة الشهداء بالبيضاء . وقد أسالت وفاته حبر العديد من الأقلام التي أجمعت أن الوفاة غير عادية.لكن رغم ذلك بقيت مجموعة من التساؤلات مطروحة والإحتمالات مفتوحة حول هذه الوفاة /اللغز : هل هي وفاة طبيعية أم اغتيال غير مباشر ..أم ..أم... والملاحظ في جل الكتابات التي تناولت الموضوع أنها بقيت أسيرة افتراضات عامة ولم تستطيع لظروف أو لأخرى تقديم جواب شاف محدد ومقنع ومدقق. ومما زاد الطين بلة أن والدته رفضت تشريح جثة ابنها مفوتة بقرارها هذا كشف مجموعة من التوضيحات التي كان من شانها كشف أسرار هذا الرحيل العجيب . وقد حاولت مجلة السياسة  الكويتية كشف النقاب عن وفاته بإعطاء بعض الأطروحات التي تبقى مجرد احتمالات5الأطروحة الأولى:القرحة المعدية حيث كان بوجميع مصابا بها وقد تعرض لهذه القرحة في إحدى السهرات بمدينة قلعة السراغنة ،لكن تم حقنه بحقنات مهدئة.هذه القرحة خطيرة جدا خاصة إذا فاجأت صاحبها دون توفره على عقاقير مسكنة ،ترى هل أثناء غيابه عن رفاقه ليومين أصيب بها إصابه جعلت من علاجها أمرا متجاوزا؟  الأطروحة الثانية: الإرهاق حتى النفاذ حيث كان معروفا عن بوجميع ولعه الشديد بالسهر المتواصل أياما وليالي متتابعة ، وإذا أضفنا لهذا التدخين وسوء التغذية والأمراض المختلفة والقرحة المعدية ألا يمكن لهذه الأعراض أن تساعد مجتمعة على فقدان الجسم لكافة طاقاته البيولوجية بشكل لم يعد معها ممكنا تدارك الإرهاق وعدم مقاومته ؟ الأطروحة الثالثة: الإغتيال المباشر أي أن أحدا اغتاله ، لكن من له المصلحة في ذلك ؟ خاصة أنه لم يعرف له أعداء بالمعنى الواسع للكلمة ، كيف وقد أعطى كل طاقاته الإبداعية لصالح / ومن أجل الإنسان ؟  الأطروحة الرابعة :الإغتيال غير المباشر أي أنه تم اغتياله بطريقة أو بأخرى لا سيما أن اختفاءه عن المجموعة يومين قبل آخر سهرة مسألة لم يعط فيها أي توضيح .ترى ألم يتم تسميمه ؟أو حقنه بحقن خاصة أو...أو....... والخلاصة أنه مع ترجيحنا للأطروحة الأخيرة وربطها بظروف القمع والتنكيل التي عرفها المد التقدمي في بداية السبعينات فكل الإحتمالات تبقى واردة ،ألم يقل بوجميع في إحدى أغنيات المجموعة صائحا : العديان فجنابي كلها يشالي  شي سالب عقلي شي عاجبو الحالوأنا وسط الحملة ووحدي نلالي لا من مد لي  إيدو ولا عني سال كما لاننسى أن بوجميع كان يعبر إبداعيا عن مشروع مستقبلي واعد يدركه جيدا ،لذا فلم يكن من العبث أن نهاية بوجميع توافقت مع نهاية مأساوية أيضا لحركة سياسية طبع ظهورها أواسط السبعينات ،هكذا وفي نفس الوقت مات بوجميع وبدأت حملة واسعة من الإعتقالات في صفوف الشباب اليساري المثقف.نهايتان جاءتا لتقذف بالحلم والأمل في نهاية الغياب ، ولتزيدا فتشعلان الحنين قوة لا إلى الأيام البعيدة بالشهور والسنوات، وإنما إلى الأمس وما قبله إلى اليوم الذي كان بوجميع يردد فيه بصوته الحار وسط المجموعة : غير خذوني لله غير خذوني وماصابر أنا على اللي مشاو وأنا ماصابر الصفايح في يدين حداد وأنا ماصابر غير خذوني لله غير خذوني   هوامش   1+ ابراهيم ايت رحو : إضاءات حول الأغنية المغربية ص 15 2+نفسه 3+ عمر القرشي :ناس الغيوان مابعد بوجمبع مجلة السؤال العدد 1 ماي 1984 ص 37 4+ عبد الرحيم الجلدي :المرحوم بوجميع جريدة الاتحاد الاشتراكي العدد 1001 12فبراير 1988 5+ مجلة السياسة الكويتية العدد224 بتاريخ 8 يناير 1990 6+ عمر القرشي :ناس الغيوان مابعد بوجمبع مجلة السؤال العدد 1 ماي 1984 ص 37

 

comments powered by Disqus
Check PageRank
contatore visitatori online
free counters
contadores de visitascontatori web